محمد بن وليد الطرطوشي

306

سراج الملوك

فيدخل في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو صدق السّائل ما أفلح من ردّه » « 1 » ، قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] بترك أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب قال بعضهم : أدنى الشكر : أن لا تعصّى الله بنعمة ، فإن جوارحك كلّها من نعم الله تعالى عليك ، فلا تعصه بها . ويحتمل أن يكون معنى الآية : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ إن شئنا ، ألا ترى أنه قال : وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ الشورى : 20 ] وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه ، فيكون التقدير : نؤته منها لمن نشاء بدليل قوله في الآية الأخرى : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [ الإسراء : 18 ] وهكذا قوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . ثم إن كثيرا من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ، ولكن معنى الآية : أستجب لكم إن شئت ، ولمن شئت ، بدليل قوله تعالى : فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [ الأنعام : 41 ] وهذا من باب حمل المطلق على المقيد . قال الجنيد « 2 » : كنت بين يدي السّرىّ « 3 » ، وأنا ابن سبع سنين ، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر ، فقال لي : يا غلام : ما الشكر ؟ فقلت : أن لا يعصى الله تعالى بنعمه ، قال : يوشك أن يكون حظك من الله لسانك ، فلا أزال أبكى على هذه الكلمة . فإن قيل : ما معنى قوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] وما يحصل من الأفعال في الوجود يمكن إحصاؤه ؟ قلنا : نعم الله تعالى على وجهين : دفع ، ومنع ، فالدفع يمكن إحصاؤه ، ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها ، وما يدفع الله عنهم مما في مقدوره من ذلك ، وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى . * * * فصل : في بعض أقوال العلماء والحكماء في الشكر « * » ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر .

--> ( 1 ) الحديث موضوع : قال العجلوني في كشف الخفاء : حكم الصنعاني عليه بالوضع وقال ابن عبد الله إسناده ليس بالقوى وسبقه ابن المديني لذلك وأدرجه في خمسة أحاديث قال لا أصل لها ، ونقل عن الإمام أحمد قوله إن الحديث لا أصل له ( كشف الخفاء ، العجلوني ج 2 : ص 155 ) . ( 2 ) الجنيد بن محمد من الزهاد وهو ابن أخت السرىّ وتلميذه وقد سبقت ترجمته . ( 3 ) السّرى : هو السرىّ السّقطى ، أحد كبار مشايخ الصوفية وخال الجنيد بن محمد الذي قال فيه ( ما رأيت أحدا أعبد من سرى السقطي ) كان يقول الشعر ، توفى سنة 253 ه ( الأعلام 3 / 82 ) . * من إضافات المحقق .